ترجمة : رسالة إلى ماريو دي ساكارنيرو ، فرناندو پيسوا

تقديم : ما نعرفش آش ننجم نكتب في تقديم فيرناندو پيسوا. من اكثر الكتاب اللي نشيخ عليهم، كحكاية و ككتيبة. برجولية، مش توة بش نقدمو كيما نحب، مانيش نحس في يدي تحب تكتب على خاطر، و نخاف ما نعطيهش حقو. جوست ننوه اللي السيد هذا عندو ستيل ياسر عذب يتسرسق كي الما، و اللي السيد شرير، يغرق في أغوار تفاصيل الإنسان باش يفلق الدمامل، دمالة دمالة، بإبرة و آلكول. النص هذا جواب بعثو فيرناندو لشاعر صاحبو، و خلاه افتتح بيه « كتاب اللاطمأنينة » اللي قعد يكتب فيه من غير ما يكملو، لوين مات و لقاو اوراق الكتاب في كرطابتو مكتوبين و ملمومين نهار بعد نهار و عام بعد عام. فرصة جاية نقدم الكتاب و الكاتب أكثر.

النص :

14 مارس 1916
نكتبلك ليوم، مدفوع باحتياج عاطفي ـــ رغبة ماضية و موجعة باش نحكي معاك. كيما ينجم الواحد يستنتج بكل سهولة : ما عندي ما نحكيلك. كونشي اللي لاقي روحي ليوم في قاع اكتئاب بلا قاع. عبث العبارة يحكي في بلاصتي.
أنا في واحد من هاك النهارات اللي عمري ما كان عندي مستقبل. ما فما كان حاضر حابس، محاوطو سور متع تقلّق. الضفة المقابلة متع النهر عمرها، بما أني موجودة في الشيرة الأخرى، عمرها ما تكون الضفة هاذي؛ لهوني سبب عذابي. فما مراكب باش يدورو على برشة مواني، أما حتى واحد فيهم ماهو بش يقرب للبرط اللي العيشة فيه تبطّل و ما عادش تتعّب، و ما فماش رصيف وين ننجمو ننساو. هذا الكل صار عندو ياسر، أما حزني يقعد أقدم.
في ها الأيامات م الروح كيما النهار اللي قاعد نعيش فيه اليوم، نحس، بكامل وعي بدني، قداشني الطفل المؤلم اللي تكوسحت عليه العيشة. حطوني في تركينة، وين نسمع في الأخرين يلعبو ـــ نحس في يديا اللعبة المكسرة اللي مدوهالي، بتمقعير، لعبة م القصدير. اليوم 14 مارس مع التسعة و درجين، هذا هو مطعم حياتي.
في الجردة اللي قاعد نغزرلها، من شبابك ربطيتي البكمة، الدراجح الكل ملوحة ع الأغصان، و هاي تتدلوح منها؛ مربوطين من فوق بالكل؛ و فكرة الهروب الخيالية ما تنجمش تستعين بالدراجح، فماش ما يتعدالي الوقت.
هكا تقريبا، أما من غير أسلوب، حالتي الروحية في اللحظة هاذي. أنا كيف الشعلة متع « البحرية »، العينين يحرقو في على تخمامي في البكا. العيشة توجع في بالحس الهافت، بجغمات صغار، م الفجوات. هذا الكل مطبوع بحروف صغار، في كتاب بدات طياتو تتفرت.
لو كان موش جيت انت، صاحبي، اللي قاعد نكتبلو توة، راهي رصاتلي نحلف اللي الجواب هذا صدق، و اللي الحاجات هاذي الكل، مربوطة تاريخيا ببعضها، خرجو تلقائيا م اللي نحس روحي نعيش فيه. أما انت باش تحس مليح اللي ها التراجيديا اللي ما تتمثلش كاينة واقع يقطع بالسكين ــــ معبية بهنا و توة، و اللي قاعدة تتعدى في روحي بالضبط كيما يطلع الأخضر في الورقة.
هذا علاش الأمير عمرو ما تسلطن. الجملة هاذي هزان و نفضان صافي. أما نحس توة اللي جمل الهزان و النفضان يعطيو غصة بكا كبيرة.
يمكن ياسر كان غدوة ما نبعثش الجواب هذا، نعاود نقراه و ناخو شوية وقت نعاود نكتبو ع الماكينة باش ندخل شوية من سماتو و عباراتو في « كتاب اللا طمأنينة ». أما هذا ما يمس شي م الصدق اللي قاعد نكتب بيه، و لا الحتمية الموجعة اللي نحس بيها في الجواب.
هاذوما في الحاصل آخر الأخبار. فما زادة حالة الحرب مع ألمانيا، أما، من قبلها بياسر، الوجيعة تعمل في المعاناة. م الشيرة الأخرى متع الحياة، هاذي لازمها تولي تعليق تحت كاريكاتور م الكاريكاتورات.
ماهواش جنون بالرسمي، أما الجنون ألف في الميا يعطي تسليم للشي نفسو اللي تعاني منو، متعة، تتذوقها ببراعة، من أوعار الروح ـــ مختلفين شوية برك ع اللي نخبر فيه توة.
أنك تحس ـــ زعمة شنية ينجم يطلع لونو؟
نضمك لي ألف و ألف مرة، ليك، ديما ليك.
فرناندو پيسوا
پي آس : كتبت الجواب هذا على فرد جنب. و انا نعاود نقرا فيه، واضحة اللي غدوة في الأكيد باش ننقلو قبل ما نبعثو ليك. قليل ياسر وين وصفت نفسانيتي بالإكتمال هذا الكل، بوجوهها الانفعالية و الذهنية، بهستيريتها الناهكة عصبية الأساسية، بكل ها الكارفورات و التقاطعات في الوعي بالذات و اللي هوما مواصفاتها البارزة …
ترى اللي عندي الحق، هكا ولا لا؟

سنة حاسمة : الماركسية، العلم و الزعمة زعمة علم. – ترجمة لكارل پوپر

ملحوظة قبل البداية : تنجمو تعتبروه نقدي الذاتي لروحي على « التساهل الذهني » متاعي مع « اليسار التاريخي التونسي » لدواعي انفعالية و متعلقة بإسداء أهمية للسياسي الآني أكثر م اللازم، و مشاركتي البهلولة في حملة « حمة ». [ما يعنيش أني ماعادش بش نغلط.]

تقديم : كارل پوپر فيلسوف مهم، نخر سوسة الفكر على بكري. للأسف، فيلسوف مهم. و نقول للأسف على خاطر ما نحبوش : نرجسي مسكر ما يقراش و ما يمن كان بروحو و باللي كان فيه هو. حياتو الكل يدحض في « الذات » و توطينها للمنطق، كإثبات غير مباشر أنو هو « الذات الصافية » الوحيدة الممكنة. هذاكة معنى تكبيشو المرضي في « الموضوعيزم »، حسب تفسيري. لكن عندو لمسة عبقرية، الخرا. ضربة متع فلتة. فكرة « الدحض » كمعيار أولي يفرق بين « العلمي » و « اللاعلمي » حكاية أورڨازميك. خسارة حب يردها « تفسير التطور التاريخي للعلم »، أما هاذيكا هي طبيعتو، و جاب ربي فما « طوماس كوهن » استوى الحكاية و حط كل حاجة في بلاصتها، « الدحض » كمعيار و « الپاراديڨم » كنموذج تطور تاريخي. تكبيشتو في النقد كمخرج وحيد للعقل، كيف كيف أورڨازميك. أما عدا حياتو هارب من تناقضاتو، يكتب ألفين كلمة و يعدي المفاهيم على خمسين معصرة باش يطلع عندو الحق. عندو اللي نعتبرو « لوثة » أي واحد ينڨز للفيزيك و ما يشوف في الرياضيات كان « أداة »، قاموس متع معادلات و جداول حساب. هذاكة اللي خلاه ما يقراش « فيتغانشتاين« ، رغم اللي الحروف تعدات قدام عينيه، و لا « نظرية المعلومة » متع شانون، و لا نجم يتمثل احتمالات الفيزياء الكوانطية. فرد وقت يمرض كي يشلق بخطأ منطقي في تخمامو، و يقعد سنين باش يستعرف بعد ما يدپرم، نفس الوقت اللي ينظر فيه للـ »محاولة الخاطئة » كأساس للفكر (أنا تضحكني الفازة هاذي. و مانيش وحدي، باش ما تقولوش مريض، نعرف بالقليلة زوز اخرين تضحكهم الفازة هاذي). فرد وقت يلوح بلمسة يد كل الفكر اللي يخمم و يحلل و يناقش اللوغة، بينما في تنظيرو يغير على مجالات تأويل أسامي و تركيبات المفاهيم اللي جابها هو. فلسفة اللغة « كخة » و لا أهمية للكلمات كلها كي بعضها المهم « المنطق الموضوعي المتعالي » واضح، كونشي كي تبدا كلماتي وقتها لازم تحديد و احترام التحديد (الفازة هاذي زادة تضحكني، انا و زوز اصحابي اخرين، موش نفسهم متع قبيليكة). ما ننجمش نحبو، على خاطر عندو تسكيرة الديكارتيين اللي يحبو يقنعو رواحهم و العالم أنو « الحياة بعد الموت » حكاية منطقية موضوعية في المطلق، و اللي الجسد في شيرة و الروح في شيرة. و رغم هذا، الكازي، عمل برشة عمايل فكرية عظيمة تخليني نحترمو و تمنعني نكرهو، منها أنو قضا على « حلقة ڢيينا« ، كأحد أبسل المدارس الفلسفية، و ساهم باش الفلاسفة متع الحلقة هاذي (خصوصا كارناپ) يتطورو و ما يوحلوش مع التعريف البينار للعالم.
النص هذا، اللي هو فصل من سيرتو الذاتية الفكرية « البحث المش كامل »، م النصوص متاعو اللي تعجبني، و اللي نتماها معاها. مافماش « إبداع » في ستيل القص أما فما إبداع في تواتر الأفكار و المنطق الصافي. پوپر عمرو ما كان برة السياسة، و يحكي على تجربة عاونتو باش يفرق بين « الفكر العلمي » و « الفكر الدوغمائي ». نص مش باش يعجب برشة رفاق. عادي، هو تكتب باش ما يعجبش الفكر « المستريح » على ثبات.
واحد م الناس، نلقا روحي في معظم النص.
قراءة طيبة، و سامحوني اللي طولت.

النص : في وسط السنوات الاخرانية الرهيبة متع الحرب، على الأحرى في 1917، في فترة كنت نعاني فيها من مرضة طويلة، وقتها وين استوعبت بوضوح الشي اللي نحس فيه عندي مدة : في معاهدنا النمساوية الشهيرة (المسمين جيمنازيوم و – يا للفظاعة – ريلجيمنازيوم) كنا نفيّيو في وقتنا بطريقة تعمل الفضح، رغم اللي أساتذتنا كانو مكونين مليح و عملو مجهودهم باش يردو ها المدارس أعز واحدين في العالم. كونو، بالنسبة لجزء منهم، دروسهم كانت ياسر مڨلڨة – ساعات ما توفاش م التعذيب الزايد – ما كانش جديد علي. (عطاوني مناعة : عمري ما عانيت م الڨلڨ بعدها. في المعهد، كانو ينجمو يطيحوك كان تسرح بمخك لحكاية لا علاقة بالدرس : كان لازم الواحد يقعد منتبه. بعدها، في الجامعة، وقت اللي الأستاذ وبدا مڨلڨ، تنجم تفرهد روحك بأفكارك الخاصة). كانت فما مادة وحدة الأستاذ متاعها يشد الإهتمام و ملهم بالحق. المادة كانت الرياضيات، و اسم الأستاذ كان فيليپ فرييد (ما نعرفش كان يقرب لسيغموند فرويد). و باللي، كيف رجعت للمعهد بعد مرضة دامت أكثر م الشهرين، لقيت قسمي ما قدم كان شوية برك، حتى في الرياضيات. كان كشف : ردتني مزروب باش نخرج م المعهد.
انهيار الإمبراطورية النمساوية، و تبعات الحرب العالمية الأولى، المجاعة، مظاهرات الجوع في ڢيينا، و التضخم الزادم، هذا الكل ياما توصف. حطمو العالم اللي تربيت فيه؛ و وقتها تحلت فترة متع حرب أهلية كامنة ولا واقعة و اللي وفات باحتلال هتلر للنمسا. كان عندي أكثر م الستاش سنة وقت اللي وفات الحرب، و الثورة حفزتني باش نعمل ثورتي الخاصة. قررت نخرج م المعهد، أواخر 1918، باش نقرا وحدي كعصامي. قيدت في الجامعة متع ڢيينا وين كنت، في الأول، طالب من غير نومرو، بما أني ما عديت امتحان القبول (ماتورا) كان عام 1922، و اللي بعدو وليت طالب مرسم بنومروه. ما كانش فما بورس، أما حق الترسيم كان شكلي. و كل طالب ينجم يحضر أي درس.
كانت حقبة متع تقلبات، و ما كانتش ذات طبيعة سياسية آكاهو. كنت قريب لدرجة خلاتني نسمع تصفير الكرطوش، وقت اللي، بمناسبة إعلان الجمهورية النمساوية، جنود استهدفو أعضاء الحكومة الوقتية الملمومين في أعلى الدروج اللي يهزو للبنية متع البرلمان (التجربة هاذي لزتني نكتب مقالة ع الحرية). كان فما شوية ماكلة، و كانك ع اللبسة، أغلبيتنا ما كانو ينجمو يوفرو كان دبش قديم متع جيش، مبدلين للإستعمال المدني. قليل فينا اللي كان يخمم بجدية في الكاريار متاعو – ما كانش فما كاريار جملة (كونشي في البانكة؛ اما فكرة كاريار تجارية عمرها ما خطرتلي). كنا نقراو موش بهدف كاريار، أما محبة في القراية. كنا نقراو، و كنا نتناقشو في السياسة.
كانو فما ثلاثة أحزاب رئيسية : الإشتراكيين الديمقراطيين، و زوز أحزاب معادية للإشتراكية : القوميين الألمان (وقتها أصغر الاحزاب الثلاثة، و اللي باش يبلعوه النازيين مبعد)، و حزب الكنيسية الرومانية بحكم الواقع (النمسا كان عندها أغلبية كاثوليكية رومانية طاغية). الحزب هذا كان مسمي روحو « اشتراكي » و « مسيحي »، رغم اللي معادي للإشتراكية. و زادة كان فما الحزب الشيوعي الصغير. أنا وليت عضو في جمعية تلامذة المعاهد الإشتراكيين، و خارط على اجتماعاتهم. كنت نحضر حتى لاجتماعات الطلبة الجامعيين الإشتراكيين. الخطباء كانوا أعضاء يا في الحزب الإشتراكي الديمقراطي، يا في الحزب الشيوعي. في الفترة هاذيكة قناعاتهم الماركسية كانت ياسر متشابهة. و، عن حق، كانوا كلهم يرجعو لفظائع الحرب. الشيوعيين كانوا يدعيو أنهم أثبتو سلميتهم بتحبيس الحرب، في براست ــ ليتوفسك. كانوا يأكدو أنو السلام شأنهم الأساسي. في هاك الفترة بالتحديد، ما كانوش يساندو السلام فقط، بالقليلة في الپروپاڨاندا متاعهم، أما زادة ينددو بكل ماهو عنف « زايد ». ما عطيتش الجنب، لمدة معينة، للشيوعيين، بالأساس في جرة اللي قالهولي صاحبي آرندت. أما في ربيع 1919 تحولت، انا و مجموعة أصدقاء، عن طريق الپروپاڨاندا متاعهم. مدة زوز ولا ثلاثة شهور، اعتبرت روحي شيوعي.
رصاتلي أحبطت فيسع. الحادثة اللي دورتني ع الشيوعية، و اللي بعدها بعدتني جملة ع الماركسية، كانت وحدة م الأهم في حياتي. الحكاية صارت بعد عيد ميلادي السبعطاش. في ڢيانا تسيبو طلقات نار وسط مظاهرة متع شباب اشتراكيين مش مسلحين كانوا، مدفوعين م الشيوعيين، يحاولو يعاونو كعبات شيوعيين موقوفين في مركز الشرطة السنترال متع ڢيانا أنهم يهربو. برشة خدامة صغار اشتراكيين و شيوعيين تقتلو. كنت مرعوب و مصدوم من وحشية البوليس، أما زادة من روحي. على خاطر كان يظهرلي، كماركسي، اللي عندي جزء م المسؤولية في التراجيديا – بالقليلة من ناحية المبدأ. النظرية الماركسية تستلزم أنو صراع الطبقات يتكثف، باش يتسرع حلول الإشتراكية. المدرسة الماركسية تأكد اللي، كان الثورة تنجم تصادف بعض الضحايا، فإنو الرأسمالية عندها في رصيدها أكثر م الثورة الإشتراكية بكلها.
هكا كانت النظرية الماركسية ـــ جزء لا يتجزأ م الزعمة زعمة « الإشتراكية العلمية ». وقتها تساءلت إذا كان حساب كيما هكة ينجم يرتكز ع « العلم ». التجربة بكلها، و السؤال هذا بالذات، حركو في تحول في الإحساس قعد لي لباقي حياتي.
الشيوعية هي معتقد يوعد بحلول عالم أحسن. يأكد اللي هو قايم ع المعرفة : معرفة قوانين الصيرورة التاريخية. كان مازال عندي أمل بعالم أحسن، عالم أقل عنف و أكثر عدل، أما سألت روحي كان نعرف  بالحق – كان الشي اللي سلمت بيه تقول نعرفو ما كانش تشبيه. بالطبيعة قريت شوية ماركس و انجلس؛ أما ياخي فهمتهم بالحق ؟ ياخي تمعنت في كتاباتهم بطريقة نقدية ، كيما لازم يعمل اي واحد قبل ما يقبل معتقد يبرر الوسائل بغاية بعيدة شوية؟
كنت مصدوم باللي لازمني نستعرف لروحي اللي لا يزي قبلت نظرية معقدة بطريقة ياسر غير نقدية، لا يزي من فوق، روماركيت، في جزء كبير، شنية فما غالط في النظرية كيما في الممارسة متع الشيوعية. و رغم هذا طفيت الضو ع الشي هذا، من باب ولائي لأصحابي و « القضية »، و ها الميكانيزم اللي يخلينا كل مرة نزيدو نتورطو أكثر. فات فيه الواحد ضحا بوعيو الذهني على نقطة صغيرة، يتفادا أنو يبطل بسهولة؛ يولي الواحد يحب يبرر التضحية بالإقتناع بالإمتياز الأساسي متع القضية، و اللي هي مفروض تستاهل ياسر خلاص أنو نعملو على خاطرها التنازلات الأخلاقية الصغرى اللي يطلعو لازمين. مع كل تضحية أخلاقية ولا عقلية، نزيدو نغرقو أكثر. لوين يوصل الواحد يكون حاضر باش يساند حفرانو الأخلاقي و العقلي في القضية بحفران جديد. كيما تلويح الفلوس الباهية بعد الخايبة.
شلقت بالطريقة اللي خدم بيها الميكانيزم هذا في حالتي، و ترعبت منو. ريتو يخدم في حالات أخرى، و بالخصوص أصحابي الشيوعيين. و التجربة ردتني قادر نفهم، بعد مدة، برشة حاجات اللي ما كنتش ننجم نفهمهم بطريقة مغايرة.
قبلت معتقد خطير بطريقة غير نقدية، دوغمائية. رد الفعل خلاني ع الأول مشكاك. بعدها وصّلتني، ولو لوقت قصير، نرفض كل عقلانية. (كيما لزم علي نكتشف مبعد، هذا رد فعل تيپيك متع الماركسي المحبط).
في عمر سبعطاش وليت مناهض للماركسية. شلقت بالطابع الدوغمائي متع العقيدة الماركسية، و باغترارها الفكري اللي ما يتصدقش. كانت حاجة فظيعة أنك تنسب لنفسك نوع م المعرفة اللي يتطلب المخاطرة بحياة الغير على جال دوغم مقبول بطريقة غير نقدية، ولا على خاطر حلمة تنجم تطلع غير قابلة للتحقيق.كانت خايبة و تتلام اكثر عند مثقف، واحد يعرف يقرا و يكتب. ياسر محبطة انو الواحد خلّا روحو يطيح في الفخ بالطريقة هاكي.
دوب ما حطيت نظرة نقدية، الفراغات، الهنات، و اللاإنسجامات متع النظرية الماركسية ولاو واضحين. خوذو بعين الإعتبار نظريتو المركزية على مسألة العنف، هذاكة متع ديكتاتورية الپروليتاريا : شكون كان الپروليتاريا؟ لينين، تروتسكي، و قادة أخرين؟ عمرهم الشيوعيين ما كان عندهم أغلبية، عمرهم ما كانوا أغلبيين حتى عند خدامة المعمل. في النمسا، بالتأكيد، ما كانو كان أقلية صغيرة، نفس الشي، بكل وثوق، في غيرها م البلايص.
إلا ما تعداو سنين متع دراسة باش حسيت، بكل ثقة، اللي أنا شديت قلب الحجاج الماركسي. هي عبارة على نبوة تاريخية، مركبة مع نداء ضمني للقانون الأخلاقي : ادعموا الشي اللي ما ننجموش نتفاداوه!  حتى هكا، ما كانش عندي نية أني ننشر نقدي لماركس، على خاطر في النمسا مناهضة الماركسية كانت أعظم م الماركسية. بما أنو الاشتراكيين الديمقراطيين كانوا ماركسيين، مناهضة الماركسية كانت تتماهى تقريبا مع الحركات السلطوية و اللي باش يتعرفو مبعد بمسمى الفاشية. بالطبيعة حكيت فيه الموضوع مع أصدقاء. أما ما بديت نكتب كان 16 سنة مبعد، عام 1935، بنية النشر. كنتيجة زوز كتب خرجو بين 1935 و 1943 « بؤس التاريخانية » و « المجتمع المفتوح و أعداؤه« .
في الأثناء، في الفترة اللي كنت نحكي عليها توة (يمكن بين 1919 و 1920)، من أكثر الحاجات اللي كانت تعيّفني كان فما ادعاء الثقافة متع بعض الزملاء الماركسيين، و اللي كانوا متأكدين تقريب اللي هوما باش يكونو القادة الجايين متع الطبقة العاملة. كنت نعرف اللي ما عندهمش ميزات عقلية بارزة. ما ينجمو يستحضرو كان نوع م التعود مع الأدبيات الماركسية. أما مش م النوع اللي يدخل للتفصيل، و بالتأكيد مش حكاية نقدية. على الحياة العمالية، معظمهم يعرف أقل مني (انا بالقليلة خدمت أشهرة في معمل وقت الحرب). رديت الفعل بالقوي ضد النزعة هاذي. كان يبانلي اللي أحنا نتمتعو بامتياز ما نستاهلوهش و احنا نقراو، ياخي قررت نولي عامل. و قررت زادة أنو عمري ما نفركس على موضع تأثير في سياسات الحزب.
عملت برشة محاولات باش نولي عامل. ثاني محاولة فشلت على خاطر ما كانش عندي القدرة البدنية باش نحفر وجوه ثنايا كاسحة كيف السيمان، ببيوش، مدة نهارات ما توفاش. آخر محاولة عندي كانت بش نولي نجار. ما كانتش متعبة الخدمة، أما المشكلة اللي فما أفكار تأملية كانت تهمني، كي اللي جات بيني و بين الخدمة.
يظهرلي وقيت نقول قداه كان عندي إعجاب للعمال متع ڢيينا و حركتهم الكبيرة – اللي يقود فيها الحزب الإشتراكي الديمقراطي – حتى ولو كان « التاريخانية » متع قادتهم الإشتراكيين الديمقراطيين كانت حكاية غالطة خلاص. القادة متاعهم كانو قادرين يلهموهم بإيمان عظيم بالمهمة متاعهم، و اللي ما كانت كان، حسب ما يعتقدو، تحرير البشرية. رغم اللي الحركة الإشتراكية الديمقراطية كانت في الأساس ملحدة (باستثناء مجموعة صغيرة حليلتها كانت تقول على روحها اللي هي اشتراكية متدينة)، أما الحركة الكل كانت متأثرة بهاك الحاجة اللي ما ننجمو نسميوها كان نوع م العقيدة الدينية النارية و الإنسانية. كانت حركة عمال يفركسو باش يتعلمو فماشي ما يحققو « مهمتهم التاريخية »، يعتقو رواحهم، و هكاكة يساهمو في تحرير البشرية؛ و بالخصوص يوفاوها مرة و إلى الأبد مع الحرب. في ساعات فراغهم اللي بطبيعتها محدودة، برشة خدامة، م الصغار للكبار، كانو يتبعو في دروس مفتوحة لعشية، ولا يمشيو لوحدة م « الجامعات الشعبية ». ما كانوش مهتمين بقرايتهم هوما آكاهو، أما زادة قراية صغارهم، و بتحسين ظروف السكن. كان برنامج يعمل الكيف. و باللي هوما يمكن يوريو، ساعة على ساعة، آثار متع تبوهيم، أما بدلو في حياتهم الشراب بتسلق الجبال، السوينڨ بالموسيقى الكلاسيكية، و الروايات البوليسية بالأدب الجاد. ها النشاطات هاذي الكل كانت هادية، في جو مسموم بالفاشية و الحرب الأهلية الكامنة، و زادة للأسف بالتهديدات المتكررة و الداخلة بعضها اللي كانت تجي من عند قياديين عماليين أنهم باش يتخلاو ع الطرق الديمقراطية و يستعملو العنف. ورثة الموقف المتضبب متع ماركس و انجلس. ها الحركة الكبيرة و تحطيمها التراجيدي من قبل الفاشية، ياسر أبهرت برشة ملاحظين انڨليز و آماريكان (مثلا جيدي).
قعدت اشتراكي مدة برشة أعوام أخرين، حتى بعد رفضي للماركسية. كان جا التوليف بين الإشتراكية و الحرية الفردية قابل للتحقيق، راني قعدت اشتراكي لتوة. على خاطر ما فماشي أحسن من أنك تعيش عيشة متواضعة، بسيطة و حرة في مجتمع قايم ع المساواة. تكلفتلي في وقت قبل ما نستخلص اللي ماهي إلا حلمة مزيانة؛ أنو الحرية أهم بزايد م المساواة. أنو محاولة إرساء المساواة تخلي الحرية في خطر. و أنو، كي نضحيو بالحرية، حتى المساواة ما نخليوهاش تتنشر بين الناس اللي سخّرناهم.
اللقاء مع الماركسية كان واحد م الأحداث الكبرى في تطوري الفكري. علمني حاجات عمري لا نسيتهم. علمني حكمة المقولة السقراطية « نعرف اللي ما نعرفش ». خلاني شخص « تخطيئي »، و خلاني نقيس أهمية التواضع الفكري. و خلاني واعي ياسر بالفروق ما بين فكر نقدي و فكر دغمائي.
بالمقارنة مع اللقاء هذا، نوعية العلاقات المماثلة اللي كانو عندي مع « علم النفس الفردي » متع آلفريد آدلار و مع التحليل النفسي الفرويدي – و اللي كانو تقريبا معاصرين بعضهم (صار اللقاء عام 1919) – كانت بأهمية صغرى.
كي نخمم بالتوالي في العام هذاكة، نستغرب كي نرا كل اللي ينجم يصير في التطور الفكري متع عبد، في وقت قصير لها الدرجة. على خاطر في نفس المدة تعرفت على فكر أينشتاين. من وقتها كان ليه تأثير مهيمن على فكري الخاص – على طوال، يمكن، أهم تأثير فيهم. في ماي 1919 زوز بعثات بريطانية أكدوا توقعات أينشتاين بخصوص الكسوفات. بها التأكيدات نظرية جديدة للجاذبية و كوزمولوجيا جديدة طلعو، موش كمجرد فرضيات أما كتحسينات حقيقية مقارنة بخدمة نيوتن – مقاربة أحسن للحقيقة.
أينشتاين عمل محاضرة في ڢيينا، حضرتلها، أما نتفكر برك اللي نوعا ما اندهشت منها. الشي كان يتجاوز فهمي تماما. تربيت في وسط وين الميكانيك متع نيوتن و الإلكتروديناميك متع ماكسوال كانو مقبولين، الوحدة جنب الأخرى، كحقيقة غير قابلة للنقاش. حتى ماش، اللي كتابو « علم الميكانيكات » كان ينتقد النظرية النيوتونية للزمان و الفضاء المطلقين، كان محتفظ بقوانين نيوتن – و من ضمنها السكون اللي كان عاطيه تأويل جديد و مبهر. و رغم اللي يحتمل إمكانية نظرية لا نيوتونية، كان يعتبر اللي لازم نستناو تجارب جدد قبل ما يتحل الشانطي متاعها. ها التجارب ينجمو يجيو، حسب رايو، من معارف جديدة في الفيزياء و علوم الفضاء الخاصة بمناطق في الفضاء تحتوي حركات أكثر سرعة و أكثر تعقيد م اللي ننجمو نلقاوهم في منظومتنا الشمسية. الميكانيك متع هارتز كيف كيف، ما كانتش تبعد على نيوتن، كونشي في التقديم.
كونو الناس الكل كانت تعتبر نظرية نيوتن صحيحة كان، بالطبيعة، نتيجة لنجاحها الباهر، و اللي وصل ذروتو باكتشاف كوكب « نپتون ». النجاح نجم يكون مبهر للدرجة هاذيكة على خاطر (كيما وضحت و صغت مبعد) نظرية نيوتن كانت تصلّح  بطريقة متكررة المواد التجريبية اللي تحب تفسرها. و مع هذا، رغم هذا الكل، أينشتاين نجح في أنو يخرّج نظرية تعطي بديل حقاني، و اللي كانت تبان، من غير حتى ما نستناو تجارب جديدة، أحسن. كيما نيوتن نفسو، توقّع تأثيرات جديدة من داخل (و من خارج) منظومتنا الشمسية. و برشة من توقّعاتو، بعد ما تخبرت، لاقات النجاح.
زهري الباهي خلاني نغطس في الأفكار هاذي عن طريق طالب رياضيات شاب و ممتاز، ماكس إلشتاين، صديق توفى عام 1922 و عمرو عشرين سنة. ما كانش پوزيتيڢيست (عكس أينشتاين وقتها و برشة وقت بعدها) و كان يركّز ع الجوانب الموضوعية في نظرية أينشتاين : استعمال نظرية الحقول؛ الرابط الجديد بين الإلكتروديناميك و الميكانيك؛ و الفكرة اللامعة متع كوزمولوجيا جديدة – كون منتهي لكن غير محدود. جلب انتباهي لكونو أينشتاين نفسو كان يعتبر أحد أهم الحجج لصالح نظريتو، التقريب الجيد اللي كانت توفرو لنظرية نيوتن. أكد زادة اللي أينشتاين ، باقتناعو أنو نظريتو كانت عندها مقاربة أحسن من مقاربة نظرية نيوتن، كان يعتبر نظريتو خطوة بسيطة لنظرية معممة أكثر. زيد من فوق، لاحظلي اللي هرمان وايل كان نشر، قبل رصودات الكسوف، عمل يوفر نظرية أكثر تعميم و وسع من نظرية أينشتاين.
من غير شك، هذا الكل في بال أينشتاين، و قبلها نظريتو، وقت اللي كتب في سياق آخر : « ما ينجمش يكون فما مصير أحلى لنظرية فيزيائية، من أنها توري الثنية لنظرية أعمّ و أعمق، اللي تعيش في وسطها كحالة حدودية. » أما اللي مركاني الأكثر ، ها التأكيد الواضح – كان يعتبر نظريتو الخاصة ما تقومش كان ما تنڨزش بعض الإختبارات. كتب مثلا : « كان الإنزياح للأحمر متع الخيوط الطيفية، الراجع لجهد الجاذبية، ما لازموش يتوجد، إذن النظرة العامة للنسبية ما تنجمش تقوم ».
اكتشفت لهنا نزعة مختلفة تماما ع النزعة، الدوغمائية، متع ماركس، فرويد و آدلار، و أكثر عند تلامذتهم. أينشتاين كان يفركس على تجارب حاسمة اللي نتائجها باللي إيجابية، ما تقومش نظريتو؛ بينما تناقض واحد يطيح النظرية الكل في الماء، كيما كان أول واحد أشار للحكاية هاذي.
هاذي كانت، يظهرلي، النزعة اللي بالرسمي علمية. تختلف تماما ع النزعة الدوغمائية، اللي ديما تأكد ورا بعضو أني لقات « إثباتات » لنظرياتها المفضلة.
وصلت هكا، أواخر 1919، لاستنتاج أنو النزعة العلمية هي النزعة النقدية. ما كانتش تلوج على إثباتات، أما تجارب حاسمة. ها التجارب ينجمو يدحضو النظرية اللي تتحط تحت الإمتحان؛ أما عمرها ما تقومها.

 

ذيب الحمادة لهرمان هيسه ، الجزء الرابع

تمهيد  من المترجم : نعتذر ع التأخير في إنهاء ترجمة القسم الأول من رواية هرمان هيسه. أما روايتو هاذي بلاعة، كل وين نعاود نقراها نعاود نغطس فيها، و باش ننجم نختار الكلمة اللي تبانلي في بلاصتها نلقا روحي نسبق نقرا القدام، و نرجع نقرا اللي قبل، و ترصيلي من غير ما نفيق نغطس من اول جديد. على قد ماهي عذبة، ترجمة ها العمل، على قد ماهي عذاب كيف كيف، على خاطر تلقا روحك راسك راس الذيب اللي عايش فيك. الحاصل، سامحونا ع الروتار، و بعد نهاية القسم هذا باش نعمل « ترتيحة » و نترجم نص ولا زوز اخرين بعاد على هيسه و العالم متاعو باش ننجم ننتقل للقسم الثاني من غير ما مخي يضرب. قراءة طيبة

عجبتني فازتو و شد اهتمامي، و قعدت بحذاه شوية. من وقتها ولينا ندردشو شوية كي نتقابلو في الشارع ولا في الدروج. ع الأول، كيما مع الآروكاريا، كان ديما يظهرلي كي اللي يفرك فيهم شوية. أما لا! كان عندو لي، كيما للآروكاريا، تقدير حقيقي : على ما كان واعي بعزلتو، و انبتاتو، و كونو هجر التراب للماء للي، من غير أدنى سخرية، أي عادة بورجوازية يراها، مثلا محافظتي على اوقات المشيان للبيرو، ولا كلمة من عند جنايني ولا شيفور متع ميترو، تحيّر فيه إعجاب كبير. ع الأول، ظهرتلي حكايتو سخيفة و مبالغ فيها، نزوة وحشية، تنغنيغ عاطفي. أما رصاتلي اقتنعت، أكثر و أكثر، اللي من قاع وحدتو الخانقة، اللي برِّيِّة ذيب الحمادة متاعو، كان يحب عالمنا البورجوازي الصغير و يعجبو بصدق، كحاجة آمنة و صلبة، بعيدة و ما يوصللهاش، كيما الوطن و السلام اللي ما توصّلو ليهم حتى ثنية. كان يسلم ع الخديمة متاعنا، بنية ڨدعة، بضربة طربوش معبية احترام، و كيف كانت خالتي تحكي معاه شوية ولا تنبهو اللي لازم يصلح دبشو ، و يخيط فلسة لكبوطو، كان يتنصتلها ببرشة اهتمام و يعطيها وذنو و مهجتو لدرجة اللي تحسو شاهي بالساكتة و بيأس، يزلق من أي تزرزيفة لها الموندو الصغير الهاني، و يحس روحو في محلو، يبداشي ساعة.
في أول لقاء لينا بحذا الآراكوريا، سما روحو ذيب الحمادة. هاذي زادة ما خلات ما فاجأتني و ما قلقتني. آشنية ها الإسم؟ أما بعد مديدة، تعودت عليه ؛ مش فقط من باب الاستيناس، أما دخلاني، ذهنيا وليت ما نسميه كان ذيب الحمادة. حتى لليوم ما نلقالوش اسم ما خير يواتيه. ذيب حمادة ضايع بيناتنا، في المدينة و عيشة القطيع. ما فماش إيحاء أغرق بش يصور مليح مسافتو الطاغية، وحشيتو المسيبة من غير رباط، النباهة متاعو، حنينو و منفاه الأبدي.
مرة، صارتلي و نجمت نقعد نلاحظ فيه عشية كاملة. في حفل سنفوني، وين تفاجأت بيه قاعد موش بعيد علي، من غير ما يشوفني. في الاول، لعبو حاجة متع هاندال، موزيكا نبيلة و جميلة، أما ذيب الحمادة قعد تالف في روحو، من غير حتى كونتاكت مع الموزيكا و لا المحاوطين بيه. جابد روحو، وحداني، بعيد، الوجه بارد، مهموم يغزر قدامو. أما وقت اللي جات بياسة أخرى، سنفونية صغرونة متع فريدمان باخ، تفاجأت بمنظر الغريب، يتبسم و يسيب روحو، غطس وسط روحو و سرح، مدة درجين، على ماهو سعيد، و تايه وسط أحلام مزيانة، لوين تولهيت بيه أكثر م الموزيكا. وقت اللي وفا المورسو فاق و تسوا. و بان على وجهو اللي عينو باش يخرج، أما قعد و زاد سمع آخر مورسو، تنويعات لريجار. طلعو طوال و متعبين لبرشة مستمعين. لذيب الحمادة، كيف كيف، رغم اللي م الاول بان عليه الاهتمام و النية الطيبة، حشا يديه في مكاتبو و رجع غطس في روحو، موش كيف ما كان فرحان و يحلم، أما حزين و منزعج. وجهو رجع مرة أخرى رمادي و طافي. عاطي على واحد عزوز و مريض و موش عاجبو شي.
بعد الحفلة عاودت ريتو في الشارع و تبعتو. مبلّط في كبوطو، قعد يمشي، كالح و كالل، في اتجاه حومتنا. وقف قدام بار قديّم، ثبت بتمهميش في منڨالتو، و مبعد دخل. خطرتلي حتى أنا، و دخلت زادة. قعد في طاولة من طواول ها البلاصة البورجوازية الصغيرة. مولاة المحل و السرڢوز استقبلوه استقبال المستانسين بيه. أنا سلمت عليه و ركشت بحذاه. قعدنا ساعة. و أنا نترشف في زوز كيسان ماء معدني، هو هبط شطر دبوزة، و مبعد زادها ربع، شراب أحمر. قلتلو اللي مشيت للحفلة، أما ما خطفتش معاه. قرا التيكية متع الدبوزة اللي قدامي، و سألني إذا كان نحب نسمحلو يستدعاني على كاس شراب. كي جاوبت اللي انا عمري ما نشرب، عمل مرة اخرى وجه السخوفية متاعو و قال : « أيه، عندك الحق. أنا بيدي عشت ما نشربش مدة اعوام، وصلت حتى صمت فترات طويلة. أما، توة. أنا توة تحت برج الروح السايلة، برج مندي و مظلم ».
بما أني تلقيت ها الإيحاء بتفدليك، و استغربت كيفاه هو يمن بالتنجيم، استعاد نبرتو المتربية ياسر اللي تجرحني ساعات و قال : « عندك الحق، العلم هذا زادة، للأسف، ما ننجمش نمن بيه ». استاذنتو، و هو ما روح كان في الليل ممخر، اما خطوتو كانت هي نفسها متع العادة. كيما كل مرة، ما رقدش طول (بما اني ساكن في البيت اللي بحذاه، ننجم نفيق بحاجة هكة)، أما قعد ساعة في صالتو و الضو يشعل.
عشوية أخرى ما نسيتهاش، كنت وحدي في الدار، خالتي ما كانتش لهنا. ضرب النقوس. حليت، ريت مرا شابة و ياسر مزيانة، و كيف سألت على سي هالر عقلتها : التصويرة المحطوطة في بيتو. وريتها الباب و جبدت روحي. قعدت شوية لفوق ؛ سمعتهم هابطين الدروج مع بعضهم و خارجين، ياسر زاهين و نافحين برشة و هوما يدردشو شايخين. استغربت ع الاخر كيفاه الناسك هذاكة طلع عندو صاحبتو، و زيد صغيرة و مزيانة و أنيقة لها الدرجة. و ماعادش عارف وين وصلت في تخميناتي عليه و على وجودو. أما بعد ساعة رجع وحدو. بخطوة ثقيلة و مرهقة، طلع الدروج، و قعد يمشي و يجي بالطول و العرض في بيت الصالة متاعو سوايع ورا سوايع، بالشوية، بخطوة ذيب، كيف السبع المربوط. الليلة كاملة للصباح، و بيتو شاعل فيها الضو.
ما نعرف شي ع العلاقة هاذي، و نحب نزيد كونشي اللي أنا عاودت ريتو معاها، في الشارع مرة أخرى. كانوا يمشيو برا دسي برا دسو؛ كان يبان فرحان، و تفاجأت، مرة أخرى، بالسحر شبه الطفولي اللي وجهو، المنعزل و المْظلِّم، يعرف يشع بيه ساعات. فهمت المرا هاذيكة، و فهمت زادة اللهوة متع خالتي بيه. أما عشيتها كيف روح، عاود رجع كي الڨملة، مكحال و تاعس. قابلتو قدام باب الدخول، و مخبي تحت كبوطو، كي العادة، دبوزة الڢينو الطلياني. عدّا معاها شطر الليل لفوق، في العرين متاعو. سخفت عليه، أما ملا عيشة ماشي بيها، متأسفة، ضايعة و ما منهاش خروج!
توة، يزي م الهداري، ها لحكايات و الأوصاف كافين باش يفهمو اللي ذيب الحمادة كان يعيش عيشة الإنتحاري. أما ما ظنيش اللي هو عْدِم روحو بعد ما، فجأة، و من غير ما يودع، أما خلص كراه كامل، هز روحو من مدينتنا و اختفى. عمرنا ما عاودنا سمعنا بيه، و مازلنا مستحفظين بجوابات خلطت باسمو. ما خلالنا شي كان المخطوط متاعو، كتبو وقت اللي ركش هوني. بسطور مختصرة، خلاهولي، و ذكر اللي ننجم نعمل بيه اللي نحب.
ما كانت عندي حتى إمكانية باش نثبت هل أنو الأحداث اللي في مخطوط هالر حقانيين ولا واقع. ما عنديش شك اللي معظمها خيال : اختراع هكاكة لا، أما محاولة متع تخريج، تمثل حداثات دخلانية تعاشو بعمق كأحداث تتشاف. المهم، المغامرات، جزئيا خيالية، متع مخطوط هالر، يصيرو بالخصوص، حسب كل الإحتمالات، في الفترة الاخرانية متع ركشتو هوني. كيف كيف ما نشكش اللي في الأصل فما جزء لا يستهان به م الواقع الخارجي تعاش بالرسمي. في الفترة هاذيكة، ضيفنا، بالرسمي، بدل الهيئة و التصرف، كان يخرج ياسر، ساعات ليالي كاملة، و ما يمسش كتبو. الأوقات القصيرة اللي نقابلو فيهم كان يبان ناشط و صغير ع الاخر، ساعات فرحان بالحق، و الاوقات هاذي ، كي تجي تشوف، يتبعوهم بالوقت ديپريسيونات جدد و ثقال؛ كان يقعد ايام في الفرش من غير ماكلة. في الفترة هاذيكة صارت عركة شانعة، و عنيفة حتى، مع صاحبتو اللي طلعت. الدار بكلها تهزت و تحطت، و من غدوة هالر طلب السماح من عند خالتي.
لا، انا مقتنع اللي ما انتحرش. مازال حي، طالع في بلاصة م البلايص، بخطاويه التاعبة، دروج ديار غريبة. يتأمل، ما نعرفش وين، ارضيات ممسوحة مليح و آروكاريات نظاف، يعدي النهارات بين المكتبات و الليالي في البيران، يقعد متكي على أريكة متع بيت مفروشة، حاط في مخو يعيش الناس و العالم من ورا الشبابك، عارف روحو مقصى، اما ما يقتلش روحو، على خاطر بقية متع إيمان تقلو اللي لازم يمص ها المعاناة لآخر عرق فيها، ها المعاناة المسمومة اللي ساكنة في القلب، و اللي منها، من ها المعاناة لازم يموت. نخمم فيه ساعة ساعة. هو ما سهلليش حياتي. ما كانتش عندو القدرة يساند و يشجع الحاجات القوية و الفرحانة فيّا، أوه! لا، تي بالعكس. أما مانيش هو، ما نعيشش في حياتو، نعيش في حياتي، صغيرة و برجوازية، اما وثيقة و مليانة واجبات. هكاكة ننجمو نتفكروه بكل صداقة و طمأنينة، أنا و خالتي. كانت تنجم تقول، هي، أكثر من هكة، أما مستحفظة على اسرارو في قلبها الكريم.
بالنسبة لكتابات هالر، ها الفانتازيات الفريدة، اللي ساعات مَرَضِية، ساعات مزيانة و معبية تخمام، لازمني نقول اللي، لو كان طاحو بين ايدي بالصدفة، من غير ما نكون عرفت كاتبها، راني الف في الميا لوحتها بتنقريس. أما، بفضل علاقاتي مع هالر، وليت ننجم نفهمها جزئيا و نوصل حتى نقدرها. ما عمري ما كنت نسمح لروحي نوصلها لناس اخرين، كان جيت ما ريت فيها كان الخيالات المرضية متع كائن معزول.

ذيب الحمادة لهرمان هيسه ، الجزء الثالث

توة زايد نزيد نحكي أكثر ع النزعة « الغريبة » متع هالر، و نعطي بالتفصيل كيفاه خمنت و عقلت أسباب و معاني ها الغرابة و ها العزلة المرعبة و الخارقة للعادة. هو كي تجي تشوف أحسن، على خاطر ماذا بي نخلي شخصي المتواضع في الآريار پلان. ما نحبش نقدم اعتراف، ولا نكتب قصة قصيرة، و لا نعمل ضربة پسيكولوجيا. ما نحب كان نساهم، كشاهد عيان، في ذكر الانسان الفريد من نوعو، اللي خلا المخطوط هذا.
ع النظرة الأولى، كيف دخل م البوابة اللي بالڢيتر لعند خالتي، و هز راسو كيما يعملو العصافر و شكر الريحة البنينة اللي مالية الدار، حسيت بالشي المڨربع اللي فيه، و ردة فعلي لولانية و الساذجة كانت اني نشد ڨارد. شميت عند الراجل هذا (و خالتي، اللي، بعكسي انا، ابعد ما يكون عن الثقافة، شمّتّو زادة) مرض متع نفس، متع روح، متع طبيعة. و اعترضت عليها بكل حدسي بأني في صحة جيدة. ها المقاومة، بالوقت، تصهرت لتعاطف وجداني. شفقة كبيرة جاتني للسيد اللي كان يعاني ، على طوال، في حميمية، و اللي كنت نلاحظ في اضطراباتو الداخلية. على طول المدة هاذيكة، تفطنت بالشوية بالشوية و أكثر فأكثر اللي مرضو ماهوش جاي من أخوار في طبيعتو و نقص، بالعكس جاي فقط من فيضان المواهب و القوة اللي عندو. أما ما عرفش يعدلهم، و ثروتو ما خلطتش لتناغم. سلّمت اللي هالر كان عبقري متع معاناة، اللي كان عندو في روحو، بالمعنى متع نيتشة، قابلية للمعاناة لا متناهية، مرعبة، رايعة؛ على هذا كيف كيف تشاءمو ما كانش مبني على ازدراؤو للعالم، أما على ازدراؤو لروحو. باللي تنبيراتو على ها الاشخاص ولا ها المؤسسات كانت بلا رحمة و قاتلة، عمرو بالعمر ما استثنى روحو منهم. كان ديما أول واحد يطيح بضرباتو هو، يتكره و يتلام.
[جزء مقتطع م النسخة الرقمية] برشة، كيما نوڢاليس، أما فما زادة ليسينغ، جاكوبي، ليشتنبارغ. شوية مجلدات متع دوستويڢسكي معبين بالملحوظات. ع الطاولة الكبيرة، بين الكتب، ساعات اكليل نوار ؛ على جنب صندوق ألوان ديما مغطي بالغبابر ؛ بحذاها، صندريات، و زادة، باش الواحد ما يعديش الحكاية هاذي بالساكتة، دبابز معبين شراب. دبوزة في قفة سعف فيها شراب أحمر طلياني كان يشري فيه من حانوت بحذانا، ولا يمكن بورڨونيي ولا مالاڨا. ريت زادة دبوزة كبيرة متع ليكور « حب الملوك » اللي تلقاه ڨرڨعها پراسك الكل في شوية وقت. ملوحة في تركينة في البيت، تغطات غبابر من غير ما يرجع يكملها. ما نحبش نبرر التجوسيس متاعي. نستعرف بكل صراحة اللي، الاوقات لولانين، ها المؤشرات متع عيشة اللي، رغم اللي مشبعة بغرام عقلي، كانت داخلة بعضها و مفرتة، پروڢوكاو عندي قرف و شكوك. أنا مش برجوازي آكهو، عايش بطريقة مرتبة، أما زادة ياسر صاحي و ما نتكيفش. الدبابز في بيت هالر جاوني ع المضاغة أقل حتى من الباقي و حالة الفوضى الحيوية.

بالنسبة للشرب و الماكلة، كيما بالنسبة للنوم، الغريب كان يعيش بطريقة متفاوتة حسب طلعاتو و تقلب المزاج متاعو. نهارات، ما كانش يخرج، و ما ياخو كان فطور الصباح ؛ خالتي كي تجي تلم باقي الماكلة ما تلقا كان قشرة بانانا؛ مرات اخرين كان يمشي للريستوران، و يحوس من أفين البلايص اللي معروفة، لريستورونات الرهج متع الضواحي. صحتو ما كانتش تبان باهية؛ يكركر في ساقو، يطلع الدروج بالسيف؛ يبان تقولش عليه لاعبة عليه الدوخة؛ مرة فلتت منو كلمة اللي عندو سنين لا هضم مليح و لا رقد مليح. السبب الرئيسي، عندي انا، هو إفراطو و نقص الحساب. مبعد، وقت اللي وليت ساعة ساعة نمشي معاه لطبرنة من طبرنياتو، ريتو يبلع الڢينو متاعو بفظاظة، ڨراطيع ثقال. أما عمري ما ريتو، أنا ولا غيري، سكران بالرسمي.
عمري ماني بش ننسا أول لقاء لينا، و اللي خذا طابع شخصي. كنا نعرفو بعضنا جوست كيما أي جيران كارين في دار مجهزة. نهار مع العشية، و انا مروح م البيرو تفاجئت بسي هالر قاعد ع العتبة، بين الطاق الاول و الثاني. راكز ع الدرجة الفوقانية، ملص روحو بش يخليني نتعدا. سئلتو كانو لاباس و عرضت عليه نوصلو لبيتو.
هالر فيكساني بعينيه، و شلقت اللي انا فيقتو من نوع متع حلمة. بالشوية، تبسملي هاك التبسيمة العذبة و المحزنة اللي يا ما حصرتلي قلبي ؛ و استاذنني نقعد بحذاه. شكرتو و قتلو اللي مانيش متعود نركش في الدروج مقابل بيوت الكراي الاخرين.
« آه! أيه، عندك الحق، قال. أما استنا لحظة، لازمني ع الأقل علاش رصاتلي قعدت لهنا ».
و حينها شاورلي عتبة البرطمان متع الطاق الاول، اللي تسكن فيه مرا هجالة. بين الدروج، الشباك، و البوابة اللي بالڢيتر، كانت فما خزانة آكاجو كبيرة، و قدامها، على زوز دعامات، ردندرة و آروكاريا. النبتات كانو مزيانين، نظاف، مڨدودين بالباهي؛ انا بيدي لاحظتها بتمتع.
« ريت، واصل هالر، ها العتبة مع الاروكاريا، ريحتها ياسر بنينة. ما ننجمش نتعدا من غير ما نحبس شوية. عند مادام خالتك، تشم الريحة الباهية متع النظام و النظافة، أما ها العتبة بالآروكوريا، على ماهي منظفة بالباهي، و منفضة الغبرة بالباهي، ملمعة، ممسوحة و مطهرة، للي، بالرسمي، تشع. لازمني ديما نحبس لهنا باش نعبي بيها رواريّ. ماكش تشم فيها انت؟ ريحة اللوحة المعمولة باقلام شمعية معاها ضربات صغار من زيت التريبنتين، مع افاح الآكاجو، افاح الاوراق المغسولين، الريحة هاذي تخرج في پارفان هو ذروة المقطّر متع النظافة البورجوازية، متع الكياسة، التدقيق، القيام بالواجب، متع الوفاء في الصغير. ما نعرفش شكون يسكن لهنا؛ أما لازم يكون فما، ورا ها البوابة اللي بالڢيتر، جنة متع تبرجيز منفض م الغبابر، متع نظام، متع تعلق مفجوع و يمس عادات صغار و واجبات صغار. »
بما اني قعدت ساكت، واصل
« يمشيش في بالك، يرحم والديك، اللي قاعد نتمقصص ! سيدي خويا، ابعد حاجة علي نية التمسخير ع التبرجيز و النظام. صحيح، نعيش في عالم مختلف، موش العالم هذا، و يمكن زادة ما نكونش قادر نعدي يبداش نهار في برطمان فيه كيف هالآروكاريا. أما، رغم اللي ماني إلا ذيب حمادة عزوز و ڨديم، نقعد كومام ولد أم، و أمي كانت برجوازية تتولها بالنبتات، تعس ع البيوت، الدروج، ع الموبيليا، ع الريدوات و تعمل مجهود بش تحط في حياتها و في مسكنها على قد ما يمكن ترتيب و وضوح و نقاء. هذا فاش تفكرني روايح التيتيبنتين و الآروكاريا. هذا علاش، ساعة ساعة، نركش هوني و نتأمل حديقة النظام الصغرونة الهادية، و نشيخ اللي الشي هذا مازال موجود ».
حب يقوم، أما صعبت عليه. ما روفزنيش وقت اللي جيت نعاون فيه. سكتت. أما كنت، كيف خالتي، تحت الشارم اللي يطلعو ساعة ساعة ها الراجل اللي ما يتقراش. طلعنا الدروج بالشوية. قدام بابو، المفتاح بين يديه، غزرلي مرة أخرى طول و قاللي بياسر لطف : « مازلت كي جيت م البيرو؟ الله غالب، ما نفهم شي أنا في الافاريات، نعيش ع الاكثر جابد روحي، على هامش كل شي، ماو في بالك. أما يظهرلي عندك، انت زادة، اهتمام بالكتب و الحكايات هاذي؛ خالتك قاتلي مرة اللي انت قريت في الليسي و اللي كنت قوي في اليونانية. امالا آسيدي، الصباح لقيت جملة عند نوڢاليس، تحبش نوريهالك؟ تو تشيخك انت زادة ».
هزني لبيتو، مبلعة بالدخان، جبد مجلد من لكموتة كتب، ورّق، فلفس :
« هاذي زادة باهية، باهية ياسر. اسمع ها الجملة (لازم نفتخرو أنا نعانيو : كل معاناة هو تذكير برتبتنا العالية) مش دونية! 80 سنة قبل نيتشة! أما ستناني، مش هاذي الجملة اللي حكيتلك عليها … ستناني … شديتها! آهيا (معظم الناس ما يحبوش يعومو قبل ما يعرفو كيفاه). مش روحي هذا؟ بحكم الطبيعة، ما يحبوش يعومو! هوما تولدو للأرض مش للما! و ، بحكم الطبيعة، ما يحبوش يفكرو : هوما مجعولين بش يعيشو مش بش يفكرو! أيه نعم، و اللي يفكر، اللي عامل منو همو الأساسي ينجم، بالطبيعة، يسرح بعيد في الدومان هذا، أما يتسمى بدل الأرض بالما، و نهار باش يغرق. »

ذيب الحمادة لهرمان هيسه ، الجزء الثاني

كيف كيف، قعدت نغزرلو بمنطقو الحلو و ربايتو. كان لاهي بمنطقو، من غير ما يزرف فيه حتى نوع متع تكبر زادة. بالعكس، نبرتو تحس فيها حكاية ولا هو قصد كي اللي يحنن الڨلب، فازة تقولش عليه درا فاش يتشحت، ما نجمت نفسرها لروحي كان مبعد، أما جبدتني وقتها.
قبل ما توفى الدورة التفقدية متع المسكن و ما تركح المفاوضات، ساعة الفطور تعدات و رصاتلي رجعت لبيرويا. استاذنتو و خليتو مع خالتي. كيف رجعت لعشية، قالتلي اللي هو كرا و باش ينقل النهارات الجايين : جوست طلب منها ما تقولش للحاكم، على خاطر، مريض و في هاك الحالة، زعمة يقدر يستحمل هاك الشكليات و المستنية سوايع في المركز ولا البلدية، لاستكمال الإجراء ات؟؟؟ نتفكر مليح اللي ها التنبيه لعبلي في مخي و اللي طلبت من خالتي ما تتبعوش. ها الخوف م الحاكم ظهرلي يواتي خصوصيات السيد بالڨدا، هاك التباعد متاعو و متع طريقتو في التصرف، لدرجة اللي ما تنجمش ما تشكش. فسرت لخالتي اللي، مهما كانت التبريرات، ما عندها علاش تقبل، من عند واحد براني، شرط كيف ما هكا، و اللي في ظروف معينة ينجم يكون عندو عليها تبعات ياسر ما تعجبش. أما خالتي ديجا عطاتو كلمة. سيبت روحها للشارم و الغواية متع السيد، بطريقة ما. دايور، عمرها ما سكنت عندها ناس من غير ما تبني معاهم علاقات إنسانية، ودية، متع صحبة، و إلا، خلي نقولها بالواضح، علاقة أمومة، الشي اللي أكثر من كاري استغلو أحسن استغلال. هذاكة علاه، في الاسابيع لولانين، ياما انتقدت الكاري الجديد، بينما خالتي، في كل مرة كانت تدافع عليه بكل حرارة.
ها الحكاية مع الحاكم كانت ابعد ما يكون على انها عجبتني، كبشت باش، بالقليلة، نعرف آش عرفت خالتي على السيد، أصلو و مشاريعو. هي ديجا فيبالها بهذا و هذاكة، رغم اللي، مع نص نهار، بعد ما خرجت، هو ما قعد كان شوية. قاللها اللي ناوي بش يعدي اشهرة في المدينة متاعنا، يدور ع البيبليوتاكات و يدرس التحف. من داخل، خالتي ما كانتش باش تحب تكري لوقت قصير كيف هكة. أما هو ديجا عجبها، و هذا واضح، رغم المظهر المحيّر متاعو. الحاصل، البيت تكرات و اعتراضاتي جاو ممخر.

« ياخي علاش قال اللي الريحة باهية هوني؟ » سألت

خالتي، اللي عندها حدس ساعة ساعة، جاوبت.
« هذا شي نفهمو مليح. هوني تشم ريحة النظام، النظافة، عيشة صحية و موالمة، و هذا اللي عجبو. تقول ماعادش متعود على عيشة هكة و اللي متوحشها. »

أيه، أيه، خممت، ما تطلع كان هذي الحكاية.
« مالا، كي ماهوش متعود على عيشة منظمة ولا موالمة، آش بش يصير؟ آش باش تعمل إذا ماهوش لاهي، يمسخ كل شي، و يروح سكران في عقابات الليالي؟ »
« آتو نشوفو » قالت و هي تضحك، و خليتها ترانكيل في النقطة هاذي.
في الواقع، المخاوف متاعي طلعو مبنيين على فشوش. ها الكاري، رغم اللي عيشتو كانت بعيدة ع العيشة المعقولة و المنظمة، ما عمرو ما ضرنا، و لا ضايقنا. حتى ليوم، ديما كي نعاودو نتفكروه نشيخو. في الأثناء، في ضمائرنا، في أرواحنا، الراجل هذا قلقنا و ضايقنا، أنا و خالتي الزوز، ننجم نوصل نقول حتى، بالصحيح، اللي للحظة هاذي مازلت ما فضيتهاش معاه. في الليل، نحلم بيه ساعات، و نحس روحي، في أعماق نفسي، حاير و متقلق فقط لأنو فما مخلوق كيما هكاكة، باللي فرد وقت ولا تقريب يعز علي.

نهارين مبعد، الشيفور طلّع فاليجات البراني، و اللي كان اسمو هاري هالر. فاليجة جلد ياسر مزيانة، عطاتني انطباع باهي. و كانت فما زادة فاليجة كبيرة مفلطحة، تقول شاهد عيان متع سفرات بعيدة؛ لا و كانت معبية بملصقات تيكيات الوتلة و شركات سياحية من برشة بلدان مختلفة، و منها اللي ورا المحيط جملة.
مبعدها ظهر و هكا كانت الدخلة في معرفة ها الراجل الغريب. ع الأول، ما عملت شي ينجم يعاوني نعرفو. و باللي جلب انتباهي من أول لحظة، ما عملت حتى مجهود الاسابيع الاولانين، باش نقابلو ولا نحكي معاه. أما من شيرة أخرى، قعدت، و نستعرف، نلاحظ فيه م الأول. ساعات، في غيابو، كنت ندخل لمحلو؛ في العموم، من باب الفضول، تجسست عليه شوية.
عطيت ديجا مؤشرات ع البنية الجسدية متع ذيب الحمادة. كان يعطي تلقائيا، م الغزرة الاولى، قناعة اللي هو من نوع الرجال الروماركابل، النادر و المهف بالقوي. وجهو كان فيه الروح، الحركية العالية متع تقاسيم و جهو تنبئ اللي حياتو الدخلانية حاجة تجلب الإهتمام، زاخرة بالأحداث، و ياسر ديليكاتو و حساسة لدرجة ما لا نهاية. في الحديث، إذا خرج ع اللوغة المعتادة، ما كانتش ديما تصير الحكاية هذي، إذا سيب روحو، و تخلص م التباعد متاعو ،و عطا آراء شخصية، خاصة بيه ـــ وقتها كان يُخضِعنا طول.مدروس أكثر من باقي العباد، كان عندو كيف نقربو لأمور الروح و النفس، هاك السيادة شبه المڨلّصة متع هاك اللي ماعاد محتاجين كان الوقائع، اللي خممو قبل و يعرفو؛ ما فما كان المثقفين الحقانيين ينجمو يبانو هكة، المثقفين الحقانيين اللي نحاو كل ماهو طموح، اللي عمرهم ما عينتهم بش يلمعو، اللي ما يخمموش أصل في الإقناع ، و أنو يكون عندهم الحق و تكون عندهم الكلمة الأخرانية.نتفكر واحد من أحكامو ــــ ننجمو نعتبروه حكم ؟؟؟ الحكاية الكل غزرة وحدة. في آخر مدة الإقامة متاعو. ناقد مشهور، فيلسوف و مؤرخ، عندو اسمو في أوروپا، عامل محاضرة، و انا نجحت في أني نكركر معايا ذيب الحمادة، اللي ع الاول ما كانش عينو جملة. كنا قاعدين بحذا بعضنا. وقت اللي السيد المحاضر طلع للمنبر و بدا يخطب، جبد بأكثر من واحد م اللي كانو يعتقدو اللي هوما بش يلقاو فيه نوع م النبي. هيئتو كانت كي الغاطة و المتصنعة. أول ما بدا، بدا بمدحان الحاضرين و شكرهم على عددهم. ذيب الحمادة رمالي غزرة خاطفة، حكم على ها الكلمات و شخصية المحاضر بكلها بغزرة ترعب، ما تتنساش، المعنى اللي فيها ينجمي يعبي كتاب كامل. سخريتو العذبة، و المهيمنة زادة، كانت خير من انتقاد المحاضر، ولا محق الراجل العظيم. ها الغزرة كانت حزينة أكثر منها ساخرة، حزنها من حزن الهاوية ؛ ورات يأس نوعا ما مستقر، لين ولا عرف و عادة. ما كانتش فقط تنوّر بالصفاء متاعو، تقرّد و تدمّر شخص الخطيب المتحذلق في وضع اللحظة، و معاه الانتظار و الوضع التثاؤبي متع الجمهور، و العنوان الرنان متع المحاضرة، مش هذا آكهو تي كانت تخترق الزمان متاعنا، التكلف الشاق متاعو، وصوليتو، استكفاؤو، اللعبة المبتذلة متع تثقفيجو الضاربو في روحو و المسوس. للأسف، حتى كان حبست لهنا. تي تزيد تغرق بيك أكثر و اكثر في الأعماق، تتجاوز الرّخّات و التأييسات متع زمان، متع ذكا، متع ثقافة كاملة. تخلط لقلب الكيان، ها الغزرة كانت تعبر بحذاقة في لحظة واحدة ع الشكوك اللي في الساس متع مفكّر، متع انسان يعرف، على الكرامة، على المعنى نفسو لحياة الإنسان. ها الغزرة كانت تقول : « تفرج فينا قداش قرودة! تفرج مالا، الإنسان هو هذا! ». و الشهرة، الأضواء، منالات الروح، الإندفاع نحو العظمة، النبل، استمرار ماهو إنساني بكلها كانت تنهار، بكلها كانت قردانيات. كپتيت اللي سبقتكم بالحديث و اللي، عكس الخطة و رغبتي، قلت ديجا الحاجات المهمة على هالر، رغم اللي نيتي الاولى كانت اني ما نكشفو كان بالشوية بالشوية، بحساب تدرج علاقتنا.

 

ذيب الحمادة لهرمان هيسه ، الجزء الأول


تقديم : المرة هاذي، في سياق الترجمات، اخترت نص أدبي. هو الحق، نعتو بـ »الأدبي فقط » حكاية فيها اختزالية نوعا ما، على خاطر هيسة عمرو ما كان بعيد ع العلوم الإنسانية، و كانت عندو علاقة إشكالية تتراوح بين التقدير المشترك و التمرميد المشترك بينو و بين كارل غوستاف يونغ. الله غالب، اللي تبدا عندو دودة الكتيبة الفنية ما ينجمش يقبل أنو يركح في إطار تنظيري.
المهم، النص هذا اخترتو لقيمتو من شيرة، و من شيرة أخرى على خاطر نحبو. عمري ما نجمت نهار نقراه على مرتين، ديما كل وين يطيح بين يدي تقول بير بلاعة و حلت فمها لمخي، ديراكت نزلق و ما نخرج كان ما نكمل الرواية كاملة. تي مش رواية، النص هذا بالنسبة لي حاجة أخرى، مراية في مراية، و شينيول يحفر في المخ.
أيا ما نطولش عليكم. قراءة ممتعة.

تقديم الناشر

الكتاب هذا فيه الكتابات اللي قعدولنا من السيد اللي سميناه بالاسم اللي تعود يسمي بيه روحو : ذيب الحمادة. هل أنو المخطوط متاعو يستحق تقديم ؟ نحس روحي، كانكم علي، محتاج نزيد لحكاية ذيب الحمادة شوية صفحات نحاول فيها نفيكسي الذكريات اللي عندي عليه. شوية بالكل، نعرف، و زيدها اللي ما عندي حتى فكرة على أصولو و ماضيه، اللي قعدولي في حكم المجهول. أما شخصيتو خلات في بصمة عميقة و، لازم نقولها، بالرغم من كل شي، إيجابية. ذيب الحمادة كان راجل عمرو تقريب في الخمسين، وقت اللي قدم روحو، عندو توة أعوام، قدام دار خالتي باش يكري من عندها بيت مأثثة. كرا بيت العلي اللي تحت دبو السقف و بيت النوم الصغيرة اللي بحذاها. رجع بعدها بنهارين بفاليجتين و صندوق كبير معبي كتب. مشوارو دام تسعة ولا هي عشرة شهور. عاشهم كالما، ياسر جابد روحو، و لو كان موش اللقاءات في الدروج ولا في الكولوار، في جرة قرب بيوتنا، ولا رانا يمكن عمرنا ما تقابلنا. ما كانش هاك العبد اللي يربط. بالعكس، كان ماهوش سوسيابل لدرجة ما كنتش نعرفها قبل؛ السيد كان بالحق، كيما يقول هو ساعات، ذيب حمادة : بعيد، وهّاڨ، ياسر وهّاڨ بالعمل، من موندو آخر غير الموندو متاعي. في أما هاوية كان يغرق بطبيعتو و مكتوبو، و قداه كان واعي بيها و قابلها الفازة! ها العزلة كانت تبانلو أحد شروط حياتو. الحكاية هاذي، ما عرفتها مليح كان مبعد، عن طريق الحكايات المكتوبة اللي خلاها هوني كيف سرح على روحو. أما، ديجا، و بفضل قداه من لقاء و حديث، تعلمت، لدرجة معينة، أني نعرفو، و التصويرة اللي عطاوهالي كتاباتو تقابل التصويرة، بالطبيعة مش نفس التفرفيطة و مش بنفس الكمال، اللي خذيتها عليه من لقاء اتنا.
بالصدفة كنت غادي وقت أول ما ذيب الحمادة دخل باش يولي كاري عند خالتي. جا في وقت الفطور، الطاولة مازالت مش منصوبة، و وقتها مازاللي نص ساعة قبل ما ننده للبيرو. ما نسيتش الإنطباع الفريد، الإنطباع الدوبل اللي خلاهولي وقت لي تقابلنا أول مرة. دخل م البوابة اللي بالڢيتر، اللي على عتبتها جبد حبل الناقوس و خالتي، م الردهة الشطر مظلّمة، سألتو آش يحب. هو، ذيب الحمادة، ناصب راسو الماضي بشعرو القصير،شمشم الهوا بعصبية و قال قبل حتى ما يجاوب و ما يسمي روحو : « أوه! الريحة باهية هوني. ». و عليه، تبسم، و خالتي تبسمت كيف كيف. أما أنا، ها الكلمات بانولي، كدخلة، حكاية غربية، و حسيت شوية تنقريس تجاهو.
« الحاصيلو، هذاكة هو، رجع للحديث، جيت للبيت اللي عندكم باش تكريوها ».
ما نجمت نڨانصو من قريب كان وقت اللي طلعنا الثلاثة الدروج اللي يهز للعلي. ما كانش جهامة، أما عندو مشية و هزة راس متع واحد جهامة. كان لابس كبوط وثير متع شتا، موضة جديدة؛ كان لابس لبسة محترمة أما من غير روشارش. وجهو كان محجم و شعرو مقصوص، عاطي ع الڨري بلايص بلايص. مشيتو، ع الاول، ما عجبتنيش؛ كان فيها حاجة متع إحراج و تردد، موش مواتية الپروفيل الماضي و النبرة، التقسيم متع كلامو. ما عرفت كان مبعد اللي هو كان مريض و اللي المشي كان يسببلو مجهود أليم. بتبسيمة فريدة، هي زادة ما عجبتنيش وقتها، قعد يبحلق في الدروج، الحيوط، الشبابك، الدوالب القدم. هاذم الكل كانوا تقول عليهم مساعدينو، أما فرد وقت يعطيوه أونڢي بش يضحك. ها الراجل كان يبان تقولش عليه جاينا من عالم آخر، من بلاد ورا البحر. كان يشوف في كل شي ياسر لطيف، أما سخيف شوية. هو كان، بالتأكيد، متربي و حتى ودود. بالوقت، و من غير حتى اعتراض، قال اللي هو فرحان بالدار، بالبيت، بسوم الكرا و بسوم فطور الصباح؛ أما فما جو غريب كان ينبع منو، و اللي، ظهرلي وقتها، كان يشملو بطريقة شرانية. كرا العلي و معاه، زادة، بيت النوم الصغيرة، استعلم ع الشوفاج، الما، السرڢيس، الميناج، سمع بانتباه و عطف، عرض بالوقت باش يخلص بالمسبق، و فرد وقت كان تقولش عليه يتمقصص على روحو ؛ تقولش عليها باينتلو حكاية جديدة و غير عادية أنو يكري بيت، و يقعد يحكي عليها و يناقش، بينما في الواقع، في قاع ڨلبو من داخل، كان لاهي بموضوع آخر جملة. هكة كان تقريبا الانطباع متاعي، و ماكانش يكون باهي لولا أنو خطوط صغار جاو عارضو ها الانطباع و صلحوه. اللي لطخني م الاول، كان وجه الراجل، رغم التعبير البعيد متاعو : وجه، يمكن مفاجئ و حزين، أما صافي، راكز، مخدوم و روحاني.

م الكلام للكتيبة ، ترجمة لرولان بارط ، الجزء الثالث

في الكتيبة يتمظهر زادة خيال جديد، اللي هو خيال « الفكر ». كل وين فما منافسة ما بين الكلام و المكتوب، الكتيبة تولي نوعا ما أنا نفكّر خير، بأكثر حزم : نفكّر أقل ليكم، نفكّر أكثر من أجل « الحقيقة ». من غير شك، الآخر ديما موجود لهنا، تحت الوجه المجهول متع القارئ ؛ كيف كيف « الفكر » اللي يتم إخراجو عن طريق ظرفيات السكريپت (مهما كانت ها الظرفيات متكتمة، و غير ذات أهمية حسب الظاهر) يقعد تابع و خاضع للصورة اللي نحب نعطيها للجمهور على نفسي ؛ الحكاية أكثر من أني تكون مغزل واضح لمعطيات و حجج، أما هي بالأحرى فضاء تكتيكي متع اقتراحات، معناها في نهاية الأمر، مواقع. في مناظرة الأفكار، المتطورة برشة ها الايام بفضل وسائل الإتصال الجماهيرية، كل ذات ملزومة تتحط في بلاصة، تمركي روحها، تتموقع فكريا، بما معناه : سياسيا. هاذي هي بلا شك الوظيفة الحالية للـ »حوار » العمومي ؛ عكس الشي اللي يصير في لمّات أخرى (القانونية ولا العلمية، مثلا)، الإقناع، فكان قناعة، هاذوما الكل ماعادش يشكلو الوتد الحقيقي متع ها الپروتوكولات التبادلية الجديدة : الحكاية ولات أنك تقدم للجمهور، و مبعدو للقارئ، نوع من مسرح الإستعمالات الفكرية، إخراج ركحي للأفكار (ها الإشارة المرجعية للعرض ما يمس في شي صدق ولا موضوعية الأقوال المتبادلة، فايدتهم التعليمية ولا التحليلية).
هاذي، يظهرلي، الوظيفة الإجتماعية لها الحوارات : مع بعضهم يكونو عملية اتصال من الدرجة الثانية، « تمثيل » [موش بالمعنى السينمائي/المسرحي للكلمة]، الانزلاق المذهل متع زوز خيالات : خيال الجسد و خيال الفكر. [تسجيل موقف، لهنا أساسا نقطة التفارق اللي عندي مع سي بارط. نرجعولو نهار آخر]

الكتيبة ماهياش الشي المكتوب
تبقّا، بالطبيعة، ممارسة ثالثة ممكنة للوغة، غايبة بحكم الوضع متع ها الحوارات : الكتيبة، بأتم معنى الكلمة، هاك اللي تنتج نصوص. الكتيبة ماهياش الكلام، و ها التفرقة تم تكريسها نظريا السنين اللي فاتو؛ أما راهي ماهيش الشي المكتوب، التدوين ؛ الكتيبة ماهيش الرقن بالحروف. في الكتيبة، الشي اللي حاضر برشة في الكلام (بطريقة هستيرية)، و اللي غايب برشة ع التدوين (بطريقة تخصي)، ألا و هو الجسد، يرجع، أما حسب ثنية غير مباشرة، فيها قياس، بش نكون أوضح مناسبة، موسيقية، عبر التمتع، و موش عبر الخيال (الصورة). كي تجي تشوف، رحلة الجسد (الذات) هاذي عبر اللوغة، هي الحاجة اللي ممارساتنا الثلاثة (الكلام، الشي المكتوب، الكتيبة) تعدلها، كل وحدة بطريقتها : رحلة صعيبة، مكّارة، متنوعة، و اللي تطور البث الإذاعي، معناها كلام فرد وقت أصلي و قابل للتدوين، سريع الزوال و يتخزن في الذاكرة، يعطيها فايدة مدهشة. أنا مقتنع اللي الحوارات اللي مدونين و منسوخين هوني ما يسواوش فقط بكم المعلومات، التحاليل، الأفكار و الإحتجاجات اللي يتنشرو فيهم بتغطية حقل الآكتوياليتي* الفكرية و العلمية الشاسع؛ عندهم زادة، كيما بش نقراوهم، قيمة تجربة تفارقية للغات : الكلام، الشي المكتوب و الكتيبة ينڨاجيو** كل مرة موضوع منفصل، و القارئ، المستمع لازمهم يتبعو ها الموضوع المقسوم، المختلف حسب ماهو يتكلم، يدون ولا ينطق.

*  Actualité

** En socialisant

م الكلام للكتيبة ، ترجمة لرولان بارط , الجزء الثاني

خسارة أخرى :صرامة التحولات. ساعة ساعة « نغزلو » خطابنا بأبخس الأسوام. ها « المغزول »، ها ال »فلومن أوراسيونيس« * اللي كان فلوبير يتقزز منو، ماهو إلا التماسك متع الكلام، القانون اللي يخلقو الكلام لروحو بش يمشي كي الحبل ع الجرارة : وقت اللي نتكلمو، وقت اللي « نعرضو » الفكر متاعنا فرد وقت مع جيان اللوغة للمخ، يمشي في بالنا اللي م المستحسن نعبرو بالصوت القوي على التعويجات متع بحثنا؛ على خاطر وقتها نبداو في صراع مفتوح قدام الناس الكل مع اللوغة، نبداو نثبتو اللي خطابنا « يخطف »، « يتماسك و يشد روحو »، و اللي كل حالة من حالات الخطاب اللي نعملو فيه يستمد شرعيتو م الحالة اللي قبلو بالضبط؛ في كلمة، نحبو ولادة مستوية مستقيمة و نوريو العلامات متع غزلان الخيط المتواترة المنتظمة؛ انطلاقا م الشي هذا، في كلامنا العلني، يكثرو الـلكن و بحيث و إذن، يكثرو الاستردادات ولا النفيان و الإنكار الواضح. موش حكاية اللي ها الكليمات عندها قيمة منطقية كبيرة؛ هي بالأحرى، كان واتات، الحشويات متع التخمام. الكتيبة، في المعظم، تقتصد في الحكايات هاذم؛ الكتيبة تتجرأ ع اللاعلاقة، ها المجاز اللي يحِشّ و اللي كانت تكون مزعجة غير قابلة للاحتمال بالصوت، كيما الخسيان.
الشي هذا يخلط على خسارة أخرى، يتحملها الكلام كي يتعدى للتقييد : خسارة هاك اللقشات متع اللوغة – من نوع « هكة ولا لا؟ » – و اللي عالم الألسنيات يربطها من غير شك لأحد أكبر وظائف اللوغة، الوظيفة التمديدية (تر : فاتيك) ولا الاستجوابية؛ كيف نتكلمو، نحبو اللي نحكيو معاه يسمعنا؛ نوليو نحيرو انتباهو باستجوابات ما عندها حتى معنى (من نوع : « آلو، آلو، تسمع في مليح؟« )؛ قمة في التواضع، ها الكلمات، ها العبارات، أما عندهم فازة متع دراما تحت حس مس : هي نداءات، تعديلات متع موجة – ننجم نقول، و انا نخمم في العصافر، غنا ؟ -، عن طريقهم جسد يفركس على جسد آخر. الغنا هذا – مجودر، مسطح، سخيف، كي يتكتب – هو اللي يطفا في كتيبتنا.
نفهموها بها الملحوظات، اللي يضيع في التدوين [مش بالمعنى متاعنا توة]، هو بكل بساطة الجسد – بالقليلة ها الجسد الخارجي (باي منو) اللي، في وضعية الحوار، يرمي لجسد آخر، عندو نفس الهشاشة (داخل بعضو) كيفو، ميساجات فارغة ذهنيا، و اللي وظيفتها الوحيدة نوعا ما هي شدان الآخر (يمكن حتى بالمعنى العاهر للكلمة) و أنو يخليه في حالة الشريك.

مقيّد حروف، الكلام ماعادش عندو نفسو المتقبّل، و من هنا تتبدل الذات نفسها [متع الكلام]، على خاطر ما فماش ذات من غير آخر. الجسد، ولو أنو ديما حاضر (ما فماش لوغة بلاش جسد)، ماعادش يتصادف مع الشخص، و إلا، باش نزيدو نوضحو : الشخصية. خيال المتكلم يبدل الفضاء : الحكاية ماعادش طلب، نداء، الحكاية ماعادش لعبة كونتاكتوات؛ الحكاية ولات قايمة على إرساء، و تمثيل حاجة موش متواصلة أما بمفاصلها، معناها، في الواقع، الحكاية ولات حجاج. ها المشروع الجديد (و هوني نكبرو التعارضات بطريقة طوعية) يتقرا بالباهي في الآكسيدونات البسيطة اللي يزيدها التقييد بالحروف (على خاطرها عندها الوسائل ماديا) للكلام (بعد ما ينحيلو « الديشيات » اللي حكينا عليهم الكل) : أول حاجة تتزاد، في العادة، مرتكزات منطقية حقيقية (پيڢو)** الحكاية ماعادش فيها هاك الروابط الصغرونة (أما، لكن، إ ذن) اللي يستعملهم الكلام باش يبلوكي ضربات الصمت؛ الحكاية ولات علاقات نحوية معبية بوحدات دلالية فكرية [سيمانتيم] منطقية حقيقية (من نوع برغم أن كذا، بطريقة تسمح بـ)؛ بلوغة أخرى، الشي اللي يسمح بيه التقييد بالحروف و يستغلو، هو نفسو الشي اللي تنفر منو اللوغة المنطوقة كي نتكلمو، و اللي نسميوه في النحو الإسناد : الجملة تولي تراتبية هيراركية، نبيّنو و نطورو في وسطها الأدوار و اللقطات، كيما في عملية إخراج كلاسيكية : كيف يسوسياليزي*** (بما أنو توة تعدينا لجمهور أوسع و غير معروف بالمسبق)، الميساج يولي عندو تركيبة متع نظام : فما « أفكار »، كيانات يتعقلو دوبلاش في الحوار الشفوي اللي يبداو فيه على طول مغمومين بالجسد، يبداو محطوطين على قُدّام من هنا موخّرين من غادي ولا في شيرة أخرى يبداو محطوطين في كونتراست مع بعضهم. ها النظام الجديد – و لو أنو طلوعو حاجة رقيقة و حاذقة و فينو – مخدوم بزوز حيل طباعية [م الطبعان موش م الطبيعة] ، و اللي يتزادو للـ »مرابيح » متع الكتيبة : القوس اللي ماهوش موجود في الكلام  و اللي يشير بوضوح للطبيعة الثانوية ولا الاستطرادية متع فكرة، و التنقيط اللي، كيما نعرفو، يقسم المعنى (موش الفورمة، الصوت).

ملحوظة : كل ماهو مشطوب بين معقفين هو ملحوظات للمترجم بغاية التفسير.

*  flumen orationis

** pivot

*** en socialisant

م الكلام للكتيبة ، ترجمة لرولان بارط , الجزء الأول

رولان بارط، ناقد و منظر فرنسي معروف من القرن العشرين، كانت عندو برشة أعمال (نصوص و كتب) بدلت طريقة نظر الساحة الثقافية لعديد الظواهر، كيف الموضة و الكاتش و الإشهار و اللوغة و الكلام و السيميولوجيا (علم الدلالات و المعاني) و النقد الروائي. أيه نعم، هاذم الكل و أكثر. و من فوق، سي رولان كان محسوب أحد آباء التيار البنيوي (بحذا ليڢي ستروس في الاثنولوجيا و الانتروپولوجيا، و لاكان في التحليل النفسي). بارط كان مفكر ما تنجمش تحصرو في اختصاص، لتعدد المواضيع اللي تعامل معاها، م الفلسفة للأدب للتنظير الاجتماعي، و أحد مجذري المقاربة الجريئة متع الألسني السويسري فرديناند دو سوسور.
واحد م الناس، عندو برشة كتب ما تعجبنيش و نسترزنها (رغم أهميتها)، و برشة آراء نقدية خرّجها نرا فيها تعسّف ساعات و مجاملة ساعات و برشة « شدان المنطق من شعرو بالقوي »، كيف تهنتيلتو لبالزاك و الحڨرة اللي تعامل بيها مع عديد الروائيين مقابل تمجيدو لأحد أثقل التيارات الأدبية دما، و هي « الرواية الجديدة » و اللي كانت (حسب ذائقتي الشخصية طبعا) مجرد تشكيلة من روائيين لا يشتركون في شيء إلا في الجمل و العبارات الطويلة المڨلڨة المنفخة (حاجة كيف السينما الروائية الفرنسية حاشا من يقرا) و كونهم بكلهم كانوا يتطكرمو على استيتيقا ثورية عبر مادية، اللي عندها ادعاء اكثر م اللي عندها جمال. و هاذي حكاية، و الحق يقال، تميزو بيها ياسر منظرين فرنسيس.
الحاصل، النص هذا واحد م النصوص اللي نحبهم و اللي يبان فيه « الذكاء المتألق » متع خونا رولان. النص هذا كتبو بارط كتقديم لسلسلة حوارات إذاعية عملها مع إذاعة فرنسا الثقافية، و نشرتها المطبعة الجامعية متع غرونوبل، و مجلة « الكانزان الأدبية » لعدد 1/15 مارس 1974.
سامحوني اللي طولت، قراءة طيبة.

 احنا نتكلمو، فما شكون يسجل فينا، سكريتيرات محاريث متع خدمة يسمعو حديثنا، يصقلوه مليح، يقيدوه، يحطو النقاط و الفواصل، يخرجو منو السكريپت لولاني اللي يرجعوهولنا باش نعاودو ننظفوه من جديد قبل ما نسلموه باش يتنشر، للكتاب، للأزلية. مش تقول عليها عملية « غسلان ميت » الحكاية اللي تبعناها؟ كلامنا، نحنطوه، كيف المومياء، باش نردوه أزلي. على خاطر لازم الواحد يدوم أكثر من صوتو شوية؛ لازم، عبر « مسرحية الكتيبة »، الواحد يقيّد روحو في مكان ما.
ها التقياد، كيفاه نخلّصوه؟ شنية الحاجات اللي نتخلاو عليها ؟ شنية نربحو ؟

فخ التقييد

هذا هو الساعة ، باختصار، الشي اللي يطيح في فخ التقييد (الكلمة هاذي، ولو متحذلقة، م الأحسن نخيروها على كلمة الكتيبة : الكتيبة ماهيش بشرطه طريقة وجود الشي المكتوب). أول باب، فما براءة نخسروها، بطريقة واضحة ؛ موش حكاية اللي الكلام في ذات نفسو فرشك، طبيعي، تلقائي، حقاني، معبر على نوع م الباطن النقي؛ بل بالعكس، كلامنا (بالخصوص في العلن جهار بنهار) فوريا مسرحي، يتسلف من عند مجموعة قوانين ثقافية و خطابية الحيل متاعها (بالمعنى الأسلوبي و الألعباني للكلمة) : الكلام ديما تكتيكي؛ أما كي تتعدى للمكتوب، براءة ها التكتيك بالذات، و اللي ينجم يكپتيها أي واحد يعرف يسمع، كيما فما شكون يعرف يقرا، هي اللي نفسخوها؛ البراءة ديما معروضة؛ كي نعاودو نكتبو اللي قلناه، نحميو رواحنا، نعسو على رواحنا، نصنصرو، نشطبو تبوهيماتنا، ثقتنا في النفس (ولا عدم ثقتنا)، تموجاتنا، جهلنا، مجاملاتنا، ساعات حتى ضربات الپان متاعنا (علاه، كي نتكلمو، ما عناش الحق نقعدو ساكتين، كيف الطرف الآخر يقدم النقطة هاذي ولا النقطة هاذيكا ؟)، الحاصل، تخبيلة الخيال متاعنا بكلها، اللعبة الذاتية متع الـ »أنا » متاعنا؛ الكلام خطير على خاطرو فوري، ما فيهش ما تلحق مبعد (كونشي تلحق على روحك باستعادة و رجوع لتالي واضح)؛ بينما التقييد، من شيرتو، عندو الوقت قدامو، عندها هاك الوقت اللازم باش تنجم تدور لسانك في فمك سبعة مرات (عمرها نصيحة متع مثل ما وصلت لها الدرجة متع المخادعة)؛ كي نكتبو اللي قلناه، نضيعو (ولا نخليو) هاك الشي اللي يفرق بين الهستيريا و الپارانويا.

نكره اللي ما على بالهمش ، ترجمة لنص آنطونيو ڨرامشي

تقديم : آنطونيو ڨرامشي مثقف و مناضل يساري إيطالي، من جماعة بدايات القرن العشرين. رؤاه كانت موجهة للثقافة و دور المثقف في النهوض بالمجتمع نحو الثورة و التقدم و هاك الكلمات العزيزة على قلب اليساريين. ماركسيتو ما خلاتوش متحجر، و على عكس برشة في وقتو، كان يرا في كافة التعبيرات فن مهم (كيف السينما اللي كان ڨرامشي من اول الناس اللي اعتبروها فن قائم الذات). نظّر لما يسمى بالـ »مثقف العضوي » في « كراسات السجن »، اللي كتبهم وقت اللي حشاوه جماعة الدوتشي في الحبس. أعز تفسير لنظرية المثقف العضوي، حسب رايي، هو التفسير متع عصام العبسي : « معناها انسان متثقف، كي تحب السلطة تربح منو حاجة على حساب الناس يقوللها ‘ شد العبلي بعضوي’ « .
الحاصل، ما نزيدش نكثر عليكم بتهدريزي، و هاو واحد م النصوص متاعو اللي يعجبوني. النسخة الأصلية و الترجمة الفرنسية تلقاوهم لهنا.

نكره اللي ما على بالهمش. و انا على راي فريديرك هيبل كيف يقول اللي « أنك تعيش معناها أنك تكون نصير متع حكاية ». ما ينجمش يكون فما جوست بشر، هكاكة، براينية ع البلاد. اللي يعيش بالرسمي ما ينجم يكون كان مواطن، و ياخو موقف و يناصر. اللامبالاة و بيعانها بلفتة معناها اللياثة (پي آس : عبد لايث معناها)، العالة، الجبن، ماهيش العيشة. هذاكة علاه نكره اللي ما على بالهمش.

اللامبالاة و بيعانها بلفتة هي الوزن الميت متع التاريخ، طلقة الرصاص الموجهة للي يجدد، هاك المادة الراڨدة الهامدة اللي تغرق فيها أقوى الحماسات، هي هاك الڨلتة المحاوطة بالمدينة القديمة تحميها أكثر م الحيوط الصلبة، أكثر من صدورات محاربيها، على خاطرها تبلع في دواماتها المْغَرْوْطَة الناس اللي تزدم، تهلكهم و تديكوراجيهم، و ساعة ساعة تخليهم يتخلاو جملة على مساعيهم البطولية.

اللامبالاة تخدم بالقوي وسط التاريخ. تخدم بسلبية و بتتليف، أما تخدم. هي النكبة، الشي اللي ما ننجموش نعملو عليه، هي اللي تدخل البرامج بعضها، اللي تقلب الطرح على أعتى المخططات؛ هي المادة الخام، المتمردة ع الذكاء اللي تخنقو. اللي يصير، الهم اللي طايح ع الناس الكل، الخير الممكن اللي تنجم تطلعو حركة بطولية (ذات قيمة شمولية)، ماهمش جايين من مبادرة متع ناس تخدم قد ما يجيو من جرة اللامبالاة و الغياب متع برشة. اللي يصير، ما يصيرش على خاطر فما شكون حبو يصير، قد ما يصير على خاطر كتلة العباد تسلّم قدام إرادتو، تطفي الضو و تخليه يعمل اللي يحب، تخلي العقد اللي ما يحلها كان السيف تتلكمت، تخلي قوانين ما تتنحى كان بتمرد تتشرّع، تخلي السلطة لعباد ما يتنطرو منها كان بمذبحة. النكبة اللي تبان طاغية ع التاريخ ماهي إلا المظهر الوهمي متع ها اللامبالاة، و التغيب. وقائع تنضج في الظلمة، طرف يدين ما يعس عليها و يراقبها حد، تفصّل و تخيّط شبكة العيشة الجماعية، و كتلة العباد ما في بالهاش على خاطر ما على بالهاش. مصائر عصر كامل تتوجّه حسب رؤى ضيقة، أهداف متع تو تو، طموحات و أهواء شخصية متع مجموعات صغيرة ناشطة، و جماهير البشر ما فيبالهاش، على خاطر ما اعلى بالهاش. أما الوقائع اللي نضجت توصّل لحاجة، و الشبكة المنسوجة في الظلمة توصل لمنتهاها : و وقتها، على ما يبدو النكبة هي اللي تهز الناس الكل و كل شي في ثنيتها، على ما يبدو التاريخ ماهو إلا ظاهرة طبيعية ضخمة، انفجار، زلزال أحنا الكل ضحاياه، اللي حب عليه و اللي ما حبش عليه، اللي في بالو و اللي ما في بالوش، اللي حْرُك و اللي قعد ما على بالوش. و هذا الأخير يكرّز، ماذابيه يسلكها م العواقب، ماذابيه يبان بالواضح اللي هو ما حبّش، و اللي خاطيه ماهوش مسؤول. واحدين يتبكاو بكل تعاسة، أخرين يحلفو و يفحشو في الحلف، أما حد، ولا تقريبا حتى حد، ما يسأل روحو : و كان انا زادا قمت بواجبي، لو كان حاولت نوصّل إرادتي و رايي و نفرض قيمتهم، زعمة يصير اللي صار؟ أما حتى حد، ولا پراسك، ما يحس روحو مذنب باللامبالاة، و التشكيك المتواصل، مذنب اللي ما مدش يدو و نشاطو لتشكيلات المواطنين اللي، و بالتحديد باش يتفاداو الخايب اللي صار، كانوا يعاركو و كانوا يحاولوا يعملو الباهي.

الأغلبية متاعهم، بالعكس، قدام الأمر الواقع، يخيرو أنهم يحكيو ع المثل اللي تنهار، و ع البرامج اللي طاحت في الما، و تحذليقات أخرى من نفس النوع. من اول و جديد، يعاودو يتغيبو على أي مسؤولية. لا، بالطبيعة ماهمش يشوفو في الأمور بالواضح، و ساعات قادرين يعطيو حلول مزيانة ياسر للمشاكل المستعجلة، و منهم هاك اللي لازمها تحضير كبير و وقت. و باللي تبدا مزيانة ياسر، ما يمنعش اللي ها الحلول تقعد عاڨرة ما تنفعش، و ها المشاركة في العيش الجماعي ما فيها حتى وهج أخلاقي :هي نتيجة فضول عقلي، موش إحساس حاد بمسؤولية تاريخية اللي تتطلب نشاط الناس الكل في الحياة، و اللي ما تستعرف بحتى فورمة متع غنوصية و حتى فورمة متع لامبالاة.

نكره اللي ما على بالهمش زادة على خاطر تخرنينهم كأبرياء أبديين يتعبني. نطلب من كل واحد منهم أنو يحضّر الحساب ع الواجب اللي عطاتهولو الحياة و تكلفو بيه كل نهار، حساب اللي عملو و بالخصوص اللي ما عملوش. و نحس اللي ننجم ما نرحمش، و ما عنديش علاش نبعزق الشفقة متاعي، و ما عنديش علاش نقسم دموعي. أنا مناصر (عندي موقف)، نحيا، نحس ديجا في نبض البلاد المستقبلية اللي شيرتي قاعدة تبني فيها، وسط الضماير الحازمة متع شيرتي. و فيها، السلسلة الاجتماعية ماهيش راكزة على كعبات، فيها كل حاجة تحصل ماهيش جاية م الصدفة، ولا قضاء و قدر، أما هي الخدمة الذكية متع المواطنين. شيرتي ما فيها حد قاعد يتفرج م الشباك وقتلي كعبات يضحيو و يختفيو في التضحية بينما اللي راكش في الشباك يڨانص ماذابيه يستنفع من طرف الباهي اللي يحصلو نشاط شوية ناس و مبعد يعدّي إحباطو بالتكبيش في اللي ضحا بروحو، للي اختفى على خاطر ما نجحش في تحقيق الهدف اللي فيكساه لروحو. 

أنا نحيا، أنا مناصر (عندي موقف). هذاكة علاه نكره اللي ما ياخوش موقف. نكره اللي ما على بالهمش.

في الاخر نحب ننوه اللي الترجمة المعروضة هوني ماهي إلا محاولة أولية. و بالنسبة لكلمة  fatalité خيرت نترجمها في معظم النص بكلمة « نكبة »، على خاطر نشوف اللي ڨرامشي في نصو مركز على « الكارثة » و التراجيديا اللي ترافق الكلمة هاذي أكثر من تركيزو على حاجة غيبية تسيّر المصائر. المرة الوحيدة اللي ريت فيها قرب للمعنى هذا في آخر النص، اخترت استعمال « قضاء و قدر ».
الحاصل …

Gramsci